سيد محمد طنطاوي

200

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط في جهنم ، جعل ذلك حبلا اللَّه وأمروا بالاعتصام به « 1 » . ثم أمرهم - سبحانه - بتذكر نعم اللَّه عليهم فقال : * ( واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِه إِخْواناً ، وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) * . قوله * ( شَفا حُفْرَةٍ ) * الشفا طرف الشيء وحرفه مثل شفا البئر ، وشفا الحفرة ومنه يقال : فلان أشفى على الشيء إذا أشرف عليه ، كأنه بلغ شفاه أي حده وحرفه . والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة اللَّه عليكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم ، فقد كنتم في الجاهلية أعداء متقاتلين متنازعين ، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين متوادين وكنتم على وشك الوقوع في النار بسبب اختلافكم وضلالكم فمن اللَّه عليكم وأنقذكم من التردي فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين . إذا فمن الواجب عليكم وفاء لهذه النعم أن تشكروا اللَّه عليها وأن تطيعوا رسولكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم . قال ابن كثير : قوله - تعالى - * ( واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً ) * . . إلخ . هذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم ، والوقائع بينهم ، فلما جاء اللَّه بالإسلام . فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا متحابين بجلال اللَّه ، متواصلين في ذات اللَّه ، متعاونين على البر والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم اللَّه منها إذ هداهم للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم في القسمة بما رآه ، فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللَّه بي ، وكنتم متفرقين فألفكم اللَّه بي ، وعالة فأغناكم اللَّه بي ؟ فكانوا كلما قال شيئا قالوا : اللَّه ورسوله أمنّ » « 2 » . وفي هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام . فقد صور - سبحانه - حالهم وترديهم في الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا في الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها . وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم في الإسلام عن طريق محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بحالة من يبعد غيره عن التردي في النار وينقذه من الوقوع فيها .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 173 ، طبعة عبد الرحمن محمد . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 389 .